لماذا من المهم أن نكون واعيين ؟
الوعي كما ذكرنا هو حالة من الوجود، هو حالة من الاتصال بالروح ان صح التعبير، وتكمن أهمية هذه الحالة الوجودية في انها الطريقة الأولى والوحيدة والفريدة لتمكين الانسان من ذاته
ويتطلب هذا المعنى ان نعرف معنى التمكين لنصل الى مدى أهمية ان تكون واعي
يتكون الانسان من عدة حقول او ابعاد طاقية قد يصل عددها الى سبعة ابعاد، ومن اهم هذه الابعاد او الحقول هوا البعد العاطفي (مكان الشعور وتراكم المشاعر) والبعد الفكري (مكان الأفكار والخواطر والمعتقدات والقناعات)
ويهمنا هنا الحديث والتفصيل على البعد الفكري، حيث يتكون من عدة عقول (العقل الواعي والعقل اللاواعي او الباطن) وسنفصل في ماهية هذه العقول.
الوعي هو الإدراك اليقظ لما يحدث الآن، وبه تتم العمليات العقلية التي منها التحليل الاستنتاج والمنطق، وهو مرتبط بالقرارات الواعية، وهو متحكم ب (5% من حياة الانسان)، بينما اللاوعي هو ذلك الأرشيف الضخم والمستودع العميق للذكريات والمشاعر من الاحداث والمواقف والصدمات، بالإضافة الى الدوافع اللاإرادية لدى البشر وهو متحكم بالجزء الأكبر من حياة الانسان بما يعادل (95% من العمليات) التي تؤثر على سلوكنا وتصرفاتنا تلقائيًا دون تفكير مباشر، مثل الأحلام، الإبداع، والعادات، التراكمات ، والبرامج واغلب العادات العقلية التي يكررها الانسان دون وعي منع وبشكل تلقائي.
الوعي هو النشاط الدماغي المسؤول عن الأفكار والمشاعر والسلوكيات التي لا يتم فيها تعطيل العقل والمنطق، مثل جميع أنواع السلوكيات المخطط لها ، هو ادراك الفعل الذي حدث، وما يترسب الى عالم الانسان الداخلي من مدخلات الحواس الخمس، ويكون عمل الوعي طوال وقت اليقظة، ويهدأ عمله في حالات مثل الخلود للنوم او فقد الوعي (الاغماء) .
اما اللاوعي فهو مكان التخزين ، وهو نشط للغاية، وضخم للغايه، هو المكان الذي يتم فيه التحكم بالجهاز العصبي وجميع ما يقوم به الجسد من عمليات لااراديه، وهو المسؤول عن جميع التراكمات من المشاعر والخبرات والأنماط السلوكية اللاشعورية، مثل التعاسة والخوف والألم والقلق والسعاده والحب والرضى ، وكل ما يمر بالإنسان أثناء مراحل حياته من صدمات وبرامج واحداث واشخاص يتم تسجيله وتخزينه في اللاوعي، ويتم التأثر به على مستوى ردات الفعل وعلى مستوى الجهاز العصبي والجسد بشكل عام، وبشكل تلقائي دون تفكير كما لو ان الانسان على وضعية الطيار الآلي.
وبما ان اللاوعي مسؤول عن مجريات يومنا وبنسبة 95% فان من المهم العمل على تحسين جودته ليخدمنا في مراحل حياتنا القادمه.
يبدأ الانسان بالوعي بما يجري بداخله منذ لحظة الاستيقاظ الروحي، وهذه تكون في الغالب بعد معاناة طويلة او قوية، او صدمات متكررة، فيبدأ عندها الانسان بالبحث عن ذاته التي فقدها في خضم تلك المعاناة، وبالطبع هذه ليست قاعدة عامة، هي فقط (لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ) لمن أختار ان يتطور ويرتقي من خلال معاناته.
وأول ما ينبغي على هذا الساعي معرفته والعلم به يكمن في ان الانسان لم يأتي الى هنا ولم تختار روحه خوض هذه التجارب الا لرسالة معينة، الا وهي الارتقاء من خلال هذه الدروس، وتزكية تلك النفس التي يحملها داخله ، وتطوير روحه، ولن يتم ذلك الا بالوعي والادراك بما يجري حوله، والوعي بما يحدث داخله، ثم الوعي بمشاعره التي سببتها تلك المعاناة، والذي جاء ليجربها بحلوها ومرها ويجرب المتناقضات منها ويتعلم ويرتقي من خلالها، ثم الوعي بما يحدث داخله من عمليات عقلية وبرامج ومدخلات وعادات ترسبت داخل عقله اللاواعي وقد تكون بغير وعي منه ، فيعمل على التخلي والتحرر ويسمح لها ان تحضر وتتلاشى من خلاله.
وخلال هذه العمليات من التطور والتزكية يدرك انه ليس ضحية أي مخلوق كان، وانه المسؤول عما يحمله من مشاعر وعن مدخلات عقله، وان كان ليس له دور في بعضها بسبب الأدوار التي خاضها في مراحل حياته الأولى والتي لم يكن مسؤولاً فيها عما بُرمج عليه او اكتسبه، ولكنه يدرك انه الان ومن هذه اللحظة مسؤول عما يجري داخله ويستطيع ولديه الأدوات والقدرة والسعه على التحمل وعلى التحرر والتطور (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا) (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ)
اذا انت تستطيع لان هذه فطرتك وهذه تجربتك، وهنا جئت لترتقي، ولن ترتقي الا من خلال ما تواجه من أقدار وأحداث حياتية ، ولن تتعلم الدروس الا من الألم ، ولن يولد النور داخلك الا من رحم ليلة مظلمة تجربها الروح والنفس.
(لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون )
انجي صباغ
Responses