حدود…

person in black shirt and black pants standing on brown sand during daytime

اشتكى لي أحدهم بأن زوجته تجاوزت حدودها معه، حتى أنه لا يطيق العيش معها الآن، وقاب قوسين أوأدنى من اللجوء إلى حل الطلاق، وقد قرر زيارتي لعله يجد بصيص نور يحمي بيته من الأنهيار.
سألته ضمن الحديث الذي دار بيني وبينه أثناء الجلسة، ماهي حدودك ياترى والتي تجاوزتها زوجتك ؟
فبين لي أنه يكره الصوت المرتفع، لايحب تكرار الطلب، كما أنه لا يحب التقليل من احترامه أمام غيره.
قلت له بالتأكيد كل ذلك حق ومطلب، بل أنه من أبسط حقوقك الزوجية، ولكن هل سبق أن بينت لزوجتك تلك الحدود ؟ هل سبق وأن تناقشت معها بهدوء في جلسة ودية عن حدودك التي تريد أن لا تتعداها زوجتك ؟ وهل سبق أن فعلت أنت ما يطابق ذلك من عدم تعدي تلك الحدود والتي ذكرتها قبل قليل في حياة زوجتك ؟
إن إيضاح الحدود في علاقاتنا لهو مطلبٌ ضروري يحافظ على ديمومة العلاقة ونضجها شيئاً فشيئ.
فالحدود في العلاقات البشرية هي مجموع المبادئ والقواعد والرغبات التي تُعبر عن الطريقة الملائمة والتي يرغب أن يتعامل بها صاحبها، وتحدد اطار تعامل الآخرين معه، وجودها صحي في أي علاقة حتى الغرامية منها، لأنها تضمن استمرار العلاقات ضمن أطار من التفاهم والتناغم.
فأي علاقة صحية ناضجة حتماً ستجد في بنيتها الاحترام والتقدير وعدم تجاوز الحدود للآخر، فالحدود تجعل العلاقة آمنه، وكلا الطرفين يشعر بالراحة مع الآخر ويستمتع بقضاء الوقت المشترك بينهما، ويتقبل وجود مساحة حرة للشريك، وفيها ديمومة العلاقات ومنتهى نضج الطرفين ووعيهم.
وتنقسم الحدود إلى قسمين: حدود شخصية خاصة لكل فرد وحدود عامة وحتمية.
فالحدود الشخصية خاصة بكل فرد، يفرضها بحسب نمط شخصيته، وبحسب مرجعياته، وعاداته، وهي تُعبر عما يريد وما لايريد، الطريقة التي يرغب بها الشخص أن يُعامل، والطريقة التي لا يرغب أن يُعامل بها، ما يناسبها ومالا يناسبه، مامدى المساحة التي يرغب من الآخر أن يشاركه فيها ؟
مثل التدخل بالأغراض الشخصية، القرارات، الأهداف، الأكل، المعلومات، الأفكار، العمل، الوظيفة، المسافة الجسدية المسموح بها.
أما الحدود العامة والحتمية، فهي تلك الحدود التي يشترك فيها كل أفراد المجتمع، وتنتمي للأخلاقيات والذوق العام التي يتحلى بها أفراد المجتمع، كما أن في التعدي عليها جرح للآخر وتعدي للذوق العام المخالف للمبادئ والقيم السائدة في المجتمع.
تماماً مثل التدخل في الشؤون المالية للآخر، أو الشؤون الجسدية، أولسؤال الغير مقبول عن العمر، السن، الحالة المادية، الوزن، الحالة الاجتماعية، الحالة الأسرية، الحالة العقائدية، الحال الخاص بالعلاقة الزوجية، أيضاً اقتحام إرادة الآخر وحريته في الرد على الاتصال والرسائل، والتأخرأوعدم الرغبة على الرد، كما أن تجاوز الحدود العامة يشمل كذلك الحكم على الآخرين في كل ما سبق وبدر من حق الشخص في فرض حدوده على الآخرين، ففي الحكم على الآخر تعدي وتجاوز واختراق نفسي وطاقي (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ ) فلا ينبغي تجاوز حدود الله بحكمنا على الآخرين، فالحكم لله جل وعلا في هذا الكون، بل وفي كل ما يخص شؤون البشر من أعمال ونوايا، فهو المطلع على النوايا الخفية العميقة من خلف السلوك والتي لا يمكن لأي حكم أومقياس بشري أن يكتشفها، أويصل لفهمها وحقيقتها.
والسؤال هنا كيف أضع الحدود وارسمها في علاقاتي ؟
إن وضع الحدود لا يعني بناء الأسوار، وعزل النفس، والابتعاد عن الآخرين، بل هي حماية للذات من الداخل، وحماية أيضاً للعلاقة واكسابها طابع الديمومة والشفافية، فتضفي على العلاقة المزيد من الراحة والاستمتاع والبهجة والحرية، وحتى يكتسب طرفا العلاقة الوقود لبذل المزيد من الجهد في تطوير العلاقة أكثر.
إن رحلة التعلم والبدء في وضع الحدود هي رحلة بدايتها نية صادقة لاستمرار العلاقة وترقيتها، وهي رحلة فيها من الاصرار والحزم ماهو كفيل بالتمسك بما فُرض من حدود لكلا الطرفين.
فإذا كنت شخص لم يسبق لك أن وضعت حدوداً لعلاقاتك، ومن الصعب عليك قول لا، عليك أولاً بالبدء بالحدود الصغيرة البسيطة والتي لا تشعر بعناء وصعوبة في فرضها على من حولك والتي تعطيك مساحة من الراحة الذاتية.
عبر عما تريد، عبر عن احتياجك، وما تُحب أن تُعامل به، مع الظهور دائما عند اختراق الطرف الآخر للحدود وتذكيره بها، فكلما ذكرت بها كلما لزمها الطرف الآخر فلا يتجاوزها.
كما أنه يجب عليك أن تحترم حدود الآخر، فكما تريد أن تُحترم حدودك، احترم حدود الآخرين وتجنب تجاوزها، حتى لو لم يضع الآخر حدوداً لك عليك أنت أن تبدأ بذلك، راعي نفس الحدود التي فرضتها على الآخر وكأنها فُرضت عليك، حتى تسمح لقانون الانعكاس أن يعمل فكما وضعت لنفسك حدود، بادر باحترامها عند الآخرين، قال النبي صلى الله عليه وسلم ”لا يُؤمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ“
علّم الآخرين كيف تريدهم أن يعاملوك، علّمهم كيف يحترمو مشاعرك، اصنع علاقات تحوي في بناءها الداخلي حرية واستقلال في بعض ما يخصك، دون أن تجعل الآخر مهما بلغت درجة قربه منك وحبك له أن يتجاوز حريتك، ويفرض قيوداً، ويتدخل بشكل مبالغ فيه، مما يجعل العلاقة مع مرور الزمن يشوبها بعض الضيق والنفور حتى تُصبح علاقة سامة تؤثر على الطرفين، فتتحول العلاقة من بهجة وحب إلى تعاسة وألم ومعاناة.

اذا راودك الآن سؤال، كيف لي أن أعرف حدودي ؟
فالاجابة بمنتهى البساطة راقب مشاعرك أثناء وجودك مع الآخرين، فعندما تشعر بالحرج أوعدم الرغبة في الرد، أوعدم الراحة في طريقة حديثهم معك، أوشعرت بالانزعاج عند طرح سؤال معين، وعدم الأمان عند تواجدك مع الطرف الآخر، أونك كنت كثير التبرير والاعتذار، وينتابك شعور بالدفاع عن نفسك دائماً، فاعلم أن حدودك الشخصية قد انتهكت وتجاوزها الآخرين، كلما عليك هو قرار ونية صادقة بالنظر إلى علاقاتك وطريقة تعاملك، والبدء باجراء مناهض لتقييد حريتك وكبت مشاعرك، والانطلاق في علاقات مثمرة ناضجة تستحق بذل الوقت لأجلها.

مقالات ذات صلة

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *